 18/12/09, 11 :17 11:17:29 PM |
|
| الكاتب | | مشرف | | معلومات الكاتب | رقم العضوية : 14 تاريخ الانضمام : 15/04/08 المشاركات : 3,779 بمعدل : 4.34 يوميا |
| المنتدى : خطب الجمعة - Friday Speeches هِجْرَةُ محمَّدٍ الأمينِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم
هِجْرَةُ محمَّدٍ الأمينِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم الخطبة الأولى الحمدُ للهِ الواجدِ الماجد، السامعِ ذِكْرَ الذَّاكِرِ وحَمْدَ الحامِد، لِعَظَمَتِهِ رَكَعَ الراكعُ وتَذَلَّلَ السَّاجِد، وألقى في الأرضِ رَوَاسِيَ شَامِخَاتِ القَواعِد، سبحانَه تنـزَّهَ عنِ الشريكِ وعن الوَلَدِ والوَالِدِ، وأَقْسَمَ على وَحْدَانِيَّتِهِ في القرءانِ وما يُنْكرُ إلا مُعانِد، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمَّدًا رسولُ اللهِ الذي لا يُخَيِّبُ السائلَ القاصِد. والصّلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا وحبيبِنا وعظيمِنا وقُرَّةِ أعيُنِنَا أحمدَ، بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللهِ بإذنِهِ سِراجًا وهّاجًا وَقَمَرًا مُنيرًا فَهَدَى اللهُ بِهِ الأُمَّةَ وكَشَفَ بهِ عنها الغُمَّةَ وَبَلَّغَ الرِّسَالةَ وأدّى الأمانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جزى نبيًّا مِنْ أنبيائِهِ. أمَّا بعدُ عبادَ الله، أوصيكم ونفسيَ بِتَقْوَى اللهِ العليِّ العظيم، أوصيكم بالاستعدادِ ليومِ الْمَوْقِفِ العَظِيم، لليومِ الذي لا ينفعُ فيه المالُ ولا البَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بقلبٍ سَلِيم، وَارْتقِبوا الْمَوْتَ فإنما هي أنفاسٌ معدودةٌ وعُمُرٌ يَفْنَى وأيامٌ تَنْقَضي وهذه دُنيا مصيرُها للزَّوال، فليحرِصْ كلُّ واحدٍ مِنَّا على بناءِ قَبْرِهِ، على بناءِ ءاخرتِهِ في محاسبةِ نَفْسِهِ. يقولُ ربُنا تبارك وتعالى: {إِلا تَنْصُرُوهُ فقد نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الغَارِ إِذْ يقولُ لِصَاحِبِه لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}. إِخوَةَ الإِيمان، إنَّ في حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ أَحْدَاثًا حَوَّلَتْ مَجْرَى التَّارِيخِ وأَحْدَثَتْ أَعْظَمَ نَقْلَةٍ وَأَعْقَبَتْ أَقْوَى الآثَارِ، تَبَوَّأتْ مِنهَا الْهِجرةُ الْمُبَارَكَةُ مَكَانًا عَلِيًّا وَمَقَامًا كَرِيمًا، حيثُ كانَتْ بِحَقٍّ فَتْحًا مُبِينًا ورِفعَةً وتمكينًا وَظُهُورًا لِهَذَا الدِّين، وفِي وقَائِعِ هَذِهِ الهجرَةِ مِنَ الدُّروسِ وَالعِبَرِ وفي أَحْدَاثِها مِنَ الفَوَائِدِ والمعانِي مَا لا يَكادُ يُحِيطُ بهِ الحَصْرُ ولا يَسْتَوْعِبُهُ البَيَانُ، فَمِنْهَا أَنَّ العَقِيدَةَ رَأْسُ مَالِ المسلِم، وأنَّ الإسلامَ خَيْرٌ مِنَ القناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والْخَيْلِ المسوَّمَةِ والأَنْعَامِ والحرثِ وَمِنْ كُلِّ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، يَتَجَلَّى هَذَا المعنَى بَيِّنًا في خُروجِ هَذَا النَّبِيِّ الكَريمِ صَلَوَاتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ مَعَ صَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ مُهَاجِرَيْنِ مِنْ هَذَا الحِمَى الْمُبَارَكِ وَالْحَرَمِ الآمِنِ والأَرْضِ الطيّبَةِ التِي صَوَّرَ وَاقِعَها الحديثُ الذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والترمِذِيُّ وابنُ ماجَه في سُنَنِهِمَا بإِسنادٍ صحيحٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ حمراء الزّهريِّ أنّهُ قالَ: رأيتُ رَسُولَ اللهِ وَاقِفًا عَلَى الحَزْوَرَةِ قَالَ: ((وَاللهِ، إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إلَى اللهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)). وفي الهِجْرةِ كَمَالُ اليَقِينِ بِمَعَيَّةِ اللهِ تعالَى لِعِبَادِه المؤمِنينَ الصَّادِقينَ، ذلكَ اليَقِينُ الرَّاسِخُ الذِي لا تُزَعْزِعُهُ عَواصِفُ البَاطِلِ، يَسْتَبِينُ ذَلِكَ جَلِيًّا في حَالِ هَذَينِ الْمُهَاجِرَيْنِ الكَرِيْمَيْنِ حِيْنَ عَظُمَ الخَطْبُ وأَحْدَقَ الْخَطَرُ بِبُلُوغِ الْمُشْرِكينَ بَابَ الغَارِ الذِي كَانَا فِيهِ، وَحِينَ قَالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وَاللهِ يا رَسولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَرَءَانَا، فقالَ رسولُ اللهِ قَوْلَتَهُ التِي أَخَذَتْ بِمَجَامِعِ القُلوبِ ((يَا أبَا بَكر، مَا ظنُّكَ باثنَيْنِ اللهُ ثالثُهما)) أيْ بالتَّأْيِيدِ وَلَيْسَ معناهُ أَنَّ اللهَ حَالٌّ بالغَارِ لأنَّهُ سُبْحَانَهُ موجودٌ بِلا مَكَان، وأَنْزَلَ سبحانَهُ مِصْدَاقَ ذلكَ في كتابِه، أَنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ التوبة/40، وأيُّ مَعِيَّةٍ هذه المعِيَّةُ؟ إنَّهَا الْمَعِيَّةُ الْخَاصَّةُ التِي تَكونُ بِالتَّأييدِ والتَّوفيقِ والحِفْظِ والْمَعُونَةِ إنَّمَا جَعَلَهَا اللهُ تعالَى لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الْمُحْسِنِينَ الذِينَ بَذَلُوا حَقَّ اللهِ عَلَيْهِمْ في تَوحِيدِهِ وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَتَرْكِ الإِشْرَاكِ بِهِ، ثُمَّ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ والانتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ. والْمَعِيَّةُ تأتِي بِمَعْنَى العِلْمِ كَقَوْلِهِ تعالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾ أَيْ عَالِمٌ بِكُمْ حَيْثُ كُنْتُمْ، اللهُ تعالَى لا يَخْفَى عَلَيْهِ شىءٌ عالِمٌ بالأماكِنِ كُلِّهَا وهو موجودٌ بِلا مَكَانٍ، لا يُتَصَوَّرُ فِي الوَهْمِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((لا فِكْرَةَ فِي الرَّبِّ)) رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الأَنْصَارِيُّ، مَعْنَاهُ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ لا تُطْلَبُ بِالتَّصَوُّرِ وَلا بِالتَّوَهُّمِ لأنَّ حُكْمَ الوَهْمِ يُؤَدِّي إلَى الغَلَطِ.
| | | |
|
|